الجمعة، 16 نوفمبر 2018

الملاك الصامت

كتب بول روايته “الملاك الصامت”، بين عاميّ 1949 و1951. بعد عودته إلى مدينته كولونيا، من حرب عالميّة قضى فيها ستّ سنوات، جنديّاً في مشاة الجيش النازي. وجاء وصفه الروائي لمدينته المدمّرة، قاسياً في واقعيّته، مبيّناً الآثار الفظيعة للحرب إلى درجة لم يجرؤ ناشر على نشر الرواية، وطُلب منه مراجعة النصّ مرّات كثيرة، ففعل ذلك. لكنّهم في النهاية، لم يوافقوا على النشر، فعرف أنّ “ملاكه الصامت”، لن تُنشر حكايته إلّا بعد وقت طويل. وتأكّد ذلك؛ إذ لم تُنشر الرواية إلّا بعد أربعين سنة، أي بعد مماته بسبع سنوات “1992”. في الملاك الصامت، ليس هناك من شيء سوى هانز العائد إلى مدينته المدمّرة، عائد من حرب عبثيّة، حوّلته إلى شبح يائس مندثر الملامح، يفترسه الجوع إلى درجة تجعل دماغه لا يفكّر إلّا في شيء يمكن أن يؤكل، أيّ شيء، ولو كسرات من الخبز العفن، ليأكلها ببطء شديد، مؤخّراً لحظة البلع قدر ما يستطيع؛ لأنه، ربّما لن يجد شيئاً في أيام تالية. ووسط الأسقف المتداعية التي يقطر منها الماء البارد، والأنقاض المختلطة، والروائح المنتنة من عرق وبول، كان على هانز، أن يبحث عن السيّدة “جومبرتز”، ليسلّمها وصيّة وسترة زوجها، الذي أُعدم بدلاً عنه. وفي المستشفى الذي قيل إنها فيه، لم يجدها؛ إذ خرجت. لكنه وجد معطفاً مُعلّقاً خاصّاً بالسيدة “ريجينا” ـ عرف ذلك من البطاقة في الجيب ـ فأخذه، وارتداه من دون إذن، أو تفكير في أحقّيته من عدمها باستعمال شيء ما للغير من دون موافقته؛ وهل يقدر إنسان حوّلته الحرب إلى شبح جائع، بارد، متلاشٍ، أن يُقدم على محاكمة كهذه؟ بدا المعطف عليه جيّداً؛ أبدى ذلك الرأي الطبيب المقيم على مداواة المرضى والمصابين، مُبدياً تعاطفاً إنسانياً مع هانز الجائع البارد. لكنّه ذكّره بعدم أحقيّته فيه، وأخذ عليه عهداً بأن يعيده إلى صاحبته، وقت يتدبّر أمره. من هذه الدرجة الأخلاقيّة العالية في الأمانة، والالتزام بالاعتناء بالمرضى والمصابين، يعود الطبيب وينحدر ببساطة إلى بيع هانز أوراقاً ثبوتيّة لرجل ميّت؛ فهو يحتاجها للتنقّل بأمان؛ إذ لا يزال جندياً فاشياً هارباً من القوات الأميركيّة التي دخلت المدينة! هي الحرب: في لحظة واحدة، تخلق في داخلنا تلك الانعكاسات والتناقضات غير المفهومة، لكنّها باعتقاد الكثيرين مُبرّرة؛ فالمَثَل القديم يقول: “في الحرب كلّ من يلتزم بالأخلاق يموت”. وخرج هانز من المستشفى حاملاً اسماً جديداً: “إيريك”، مُتذكّراً، كم من الأسماء قد حمل، كي يستطيع المضيّ في هروبه: “هانز”: اسمه الحقيقي. وعندما كان على وشك الإعدام، أخذ اسم “هنغرتز”. وقبل ذلك “ويلكي”. ثمّ “والدو”. ثمّ “سكونر”. كلّ ذلك يبدو حقيقياً تامّاً بمجرّد أن تضع على الأوراق ختماً مستديراً مزوّراً، وخطوطا خضراء، ستعطي الشرعيّة والحماية لحياتك؛ فلكي تنجو في كلّ مرّة، عليك أن تحمل ذاتاً جديدة غير ذاتك؛ فلا مكان في حدث الحرب لوجودك الحقيقي، قاتلت، أم لم تقاتل فيها.

source https://qrtopa.com/book/14219

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق