الاثنين، 2 ديسمبر 2019

جنوبي

عن دار الشروق بعمان ورام الله، تصدر رواية «جنوبي» للكاتب والصحفي رمضان الرواشدة، التي جاءت على شكل لوحات وتأشيرات ذكيّة لسيرة ذاتيّة مثقّفة بمحاكمة النصّ السياسيّ والاجتماعي في فترات سابقة لعام 89، والسؤال النقدي منه، لمراحل وعاها الراوي في ستينات القرن الماضي وسبعيناته وثمانيناته، سلّط خلالها الضوء على ذهنية التعاطي السياسي المجتمعي الأردني من الداخل ومع محيطه العربي، من خلال تحوّلات بطل الرواية الفتى «جنوبي بن سمعان». وانطلقت الرواية من منطقة الهاشمي الجنوبي وعلاقة «الجنوبيين» بالمؤسسة العسكريّة والأمنيّة، باعتبارهم «طيور فينيق» في أوجاعهم وآلامهم وهجراتهم ووظائفهم، نحو فضاء أوسع، في رواية تحتشد بالتفاصيل والمسمّيات والتوثيق غير الثقيل أو المتكلّف، ليتنافذ الكاتب على المسرح المكاني لروايته: عمان وإربد ومعان، في محاكمة لاسعة بشأن مفاهيم الوعي الحزبي والديمقراطي وإرهاصات العمل السياسي الجامعي، ووقفات حزينة راثية لظروف البسطاء. وما قبل ذلك وما بعده كان سبباً لاستدعاءات الرواشدة وأسئلته في طفولته وشبابه وانخراطه الحزبي وقناعاته الفكرية، وتحوّلاته أيضاً بعد اختلال كثيرٍ من هذه القناعات. كعلاقة اجتماعيّة في «الهاشمي» يرسم الرواشدة قصصاً من الحبّ والجيرة والمودّة في علاقة الجنوبيين بمجاوريهم، لتتسع الدائرة المكانيّة والحيّز النفسي للراوي مع المكوّن الفلسطيني الذي حملته حارة بيت محسير، ومكونات أخرى، لنكون أمام حالات من التعبير الشعبي عن احتلال فلسطين، وحالات من التحوّط «الجنوبي» أمام حدّي التشارك في مظاهرة أو المحايدة أمامها نظراً للعلاقة المميزة للجنوبيين مع المؤسسة العسكرية والأمنيّة، كسؤال نقدي مبكر يحمله رمضان الرواشدة وهو يقرأ من جانب آخر ترحاب معان عام 2002 بالجيش ووقوفهم معه في التفتيش عن المتطرفين، وهبّتهم في نيسان تسعة وثمانين. وتبدو نرجسيّة الراوي مبررة، في أنّ البطل سيكبر ليظلّ مُطارداً، كما رأت العرافة وهي تتفحّص عشرة قروش الطفل الذي مرّ عليه قليلٌ من فرح وعاش معذّباً بتفاصيل التميّز والانصياع للواقع، ولذلك لم يقف الرواشدة موقف الحكّاء في روايته، حتى وإن أثث صفحاته بإنسانيّات وطرائف ونوادر وحالة من التشويق في رحلة العائلة من إربد إلى معان فعمان، فقد كان همّه أن يصنع له أشياء تصنع مصيره. كما أنّ الراوي، وهو ينفتح على كراريس الماركسيّة والديمقراطيّة وثورة الفلاحين في الصين ونموذج ماوتس تونغ، ويقرأ في صراع الحضارات ويتحصّل على ماجستير الفلسفة بعد شهادة الأدب الإنجليزي، يدخل في تحولات الفتى جنوبي بين دخول الحزب الناصري والنضال في بيروت ومرحلتي العشق والصوفيّة والتأمّل في كثير من التفاصيل. وفي تحولاته، يحاكم الرواشدة بطرح أسئلة الفترة الناصريّة، ومدى جدواها ولذلك هو يعزف عنها. من حيث التقنية الروائيّة، اعتمد الرواشدة ضميرين في الحوار، هما ضمير المتكلّم، وضمير آخر يظلّ يلحّ عليه ويذكّره وربما يلومه ملوّحاً بسيف الماضي، كما اعتمد اللغة السهلة المتكاملة في عمومها، التي ظلّت أداة توصيل، لم تخل من جماليات استذكار البطل لوالدته التي لم يودّعها الوداع الأخير، كما لم يودّع والده من قبل، وجماليات وصف الحارة المعانيّة والحيّ في الهاشمي وإربد، ومفارقات السياسة المضحكة وأحلام البسطاء ووساطة العشيرة لدى المؤسسة الأمنية والعسكرية، وأيضاً نقل حوارات العشق ورسائل الغرام والحنين، وتفاصيل المدرسة والفقر وتردي المعيشة، وأهازيج الأردنيين لفلسطين. لم يكن الهدف السياسي مستحوذاً على تفكير العمل الروائي، بل إنّه كان يجيء سهلاً كتوقيعات أو شذرات من رحم التفصيلة الاجتماعية والذهنية السائدة محلّ المقارنة، كما لم ينس الرواشدة أن يأتي بأشعار عذبة لرابعة العدوية، ومن أشعاره أيضاً التي تحمل فلسفته في علاقته الصوفيّة مع خالقه في إطار من المحبّة والخضوع الروحاني العميق والمناجاة الصافية. وإذ يكلل عمله الروائي بـ«جنوبي»، فإنّه يضيف عملراً جديداً إلى رواية «النهر لن يفصلني عنك»، ورواية «أغنية الرعاة»، والمجموعة القصصية «تلك الليلة»، ورواية «الحمراوي»، والمجموعة القصصية «انتفاضة»، بعد أن فاز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية عام 1994 عن رواية الحمراوي، التي فازت أيضاً كأفضل مسلسل إذاعي في مهرجان الإذاعات العربيّة بتونس. ابراهيم السواعير - الرأي Via مكتبة اقرأني http://qrtopa.com/rss

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق